أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
الثواب ، ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار كفاء ما أسلفوا في الأيام الخالية . و قد ورد في الحديث : « سبعة يظلهم اللّه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله - وذكر منهم : ورجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف اللّه ، ورجلا تصديق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » . ثم نبه إلى أنه مطلع على السرائر فقال : ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) أي إن عملكم وقولكم على أىّ سبيل وجد فاللّه عليم به ، فدوموا أيها الخاشعون على خشيتكم ، وأنيبوا أيها المفترون إلى ربكم ، وكونوا على حذر من أمركم . روى عن ابن عباس أنه قال : « كان المشركون ينالون من النبي صلى اللّه عليه وسلم فيوحى إليه بما قالوا ؛ فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كيلا يسمع ربّ محمد فنزلت الآية » . وقدم السر على الجهر للايذان بافتضاح أمرهم ووقوع ما يحذرون على كل حال أسروا أو جهروا ، ولأن مرتبة السر مقدمة على مرتبة الجهر ؛ فما من شئ يجهر به إلا وهو أو مبادئه مضمر في النفس . وقوله « إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » كالعلة والسبب لما قبله . والخلاصة - إنه تعالى محيط بمضمرات النفوس وأسرارها الخفية المستكنة في الصدور ، فكيف لا يعلم ما تسرون وما تجهرون به ؟ . ثم نصب الأدلة على إحاطة علمه بجميع الأشياء فقال : ( أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) أي كيف لا يعلم السر والجهر من أوجد بحكمته ، وواسع علمه ، وعظيم قدرته ، جميع الأشياء ؛ وهو النافذ علمه إلى ما ظهر منها وما بطن . وكأنه سبحانه يقول : ألا يعلم سركم وجهركم ، من يعلم الدقائق والخفايا ، جملها وتفاصيلها ؟ .